githubEdit

الجزء الثاني والثلاثون: مدينة العظام الحديدية (النزول إلى الهاوية)

مقدمة: قرار اللاعودة

وقف الملوك الثلاثة (جلمود، ياسين، إياس) والفتى "آدم" على حافة الحفرة السوداء العملاقة التي ينبعث منها البخار الكبريتي. أسفلهم، كانت "العناكب الميكانيكية" (الحصادات) تتحرك بانتظام مرعب، تحفر وتأكل الصخور لتوسيع الفجوة.

كان الخيار صعباً: إما العودة وانتظار الموت المحقق عندما تلتهم هذه الآلات ممالكهم، أو القفز في المجهول. قال الملك "جلمود" (فتوها) وهو يشد أحزمة درعه: "الموت في بطن الأرض بشرف، خير من الموت في قصري كالجرذ المحاصر. أنا نازل." قال الملك "ياسين" (همون): "بسم الله توكلنا على الله. لعل في باطنها الرحمة." قال الملك "إياس" (إنتنتوث) وهو يضبط أجهزة القياس: "الحرارة في الأسفل 60 درجة مئوية.. سنحتاج لتبريد مستمر، وإلا سلقنا أحياء."

الفصل الأول: طريق الثعابين

بدأ النزول. لم يكن نزولاً سهلاً. استخدموا الحبال والخطافات للنزول عبر النتوءات الصخرية الحادة التي خلفتها آلات الحفر. كلما نزلوا مائة متر، زادت الحرارة، وزاد الضغط على آذانهم. كان "آدم" يعاني بشدة. جسده النحيل لا يحتمل هذه البيئة القاسية. كاد يسقط عدة مرات، لولا أن "جلمود" كان يمسكه بيد واحدة قوية ويعلقه على ظهره كأنه ريشة. قال جلمود لآدم: "تمسك جيداً يا فتى.. إذا سقطت، لن ننزل لإحضارك." (كان يقولها بقسوة، لكنه كان يحميه بجسده من تطاير الشظايا الصخرية).

في منتصف الطريق، واجهوا "أنابيب تهوية" عملاقة تخرج من الجدار الصخري، تضخ هواءً ساخداً جداً. كان عليهم عبور ممر ضيق جداً (حافة صخرية) أمام هذه الأنابيب. قال إياس: "الأنابيب تضخ بنمط معين.. ضخ.. توقف 5 ثوان.. ضخ. علينا المرور في الخمس ثوان." كان اختباراً للتوقيت. عبر إياس وياسين. عندما جاء دور جلمود (الذي يحمل آدم)، تعثرت قدمه بحجر. تأخر ثانية واحدة. انطلقت دفعة البخار الساخن! صرخ ياسين: "جلمود!" لكن جلمود، وبسرعة بديهة المحارب، غرس سيفه الضخم في شق صخري واستخدمه كدرع ليحتمي خلفه هو والطفل. احترق جزء من عباءته، واحمرت بشرته، لكنه نجا. وصل للطرف الآخر وهو يلهث: "مجرد حمام بخار ساخن.. لا تقلقوا."

الفصل الثاني: مقبرة الآلات

بعد ساعات من النزول الشاق، وصلوا إلى "أرضية" الحفرة الأولى. لم تكن أرضاً طبيعية. كانت "مدينة معدنية ميتة". مبانٍ شاهقة مصنوعة من معدن أسود، بلا نوافذ ولا أبواب، تمتد لمد البصر في الظلام، تضيئها فقط شرارات الآلات الحاصدة البعيدة.

مشوا في شوارع هذه المدينة الصامتة. وجد "إياس" هياكل عظمية غريبة ملقاة على الأرض. ليست لبشر. هياكل لكائنات ضخمة، عظامها ممتزجة بقطع معدنية (سايبورغ بدائي). قال إياس وهو يفحص جمجمة: "هؤلاء ليسوا من عصرنا.. ولا عصر أجدادنا. هؤلاء ربما من (عصر الحروب الأولى) التي قرأنا عنها في الأساطير. يبدو أنهم ماتوا وهم يحاولون الهروب من هنا."

قال آدم وهو يمسك رأсе بألم: "هذه المدينة تسمى (المصهر).. هنا كانوا يصنعون الوقود.. الوقود الحي." لم يفهموا قصده، لكن القشعريرة سرت في أجسادهم.

الفصل الثالث: الحارس الأعمى

بينما هم يتقدمون نحو "البرج المركزي" الذي أشار إليه آدم، سمعوا صوتاً غريباً. كليك.. كليك.. كليك.. توقفت القافلة. من بين الأنقاض، خرج "حارس". لم يكن عنكبوتاً حفاراً. كان آلة قتالية قديمة، تشبه "العقرب"، ذيلها ينتهي بماسورة ليزر صدئة لكنها ما زالت تعمل، ولها مخالب حادة. المشكلة أن الحارس كان "أعمى" (عدساته مكسورة)، لكنه يمتلك "مجسات صوتية" حساسة جداً.

همس جلمود: "سأحطمه." أمسكه ياسين من ذراعه وهمس: "لا.. درعه سميك جداً، وأي ضجيج سيجلب العناكب الأخرى. يجب أن نتجاوزه بصمت."

بدأوا التسلل ببطء شديد. فجأة، سقطت قطعة صخرية صغيرة من حذاء أحد الحراس. طرق! استدار العقرب الآلي بسرعة جنونية نحو الصوت، وشحن ذيله لإطلاق الليزر. في جزء من الثانية، التقط "إياس" حجراً أكبر ورماه بعيداً في الاتجاه المعاكس. طراااق! التف العقرب نحو الصوت الجديد وأطلق الليزر، ففجر جداراً قديماً. استغلوا الفرصة وركضوا بأقصى سرعة (حفاة الأقدام تقريباً لتقليل الصوت) حتى دخلوا ممراً ضيقاً لا يستطيع العقرب دخوله.

الفصل الرابع: بوابة الدم (شيفرة الوراثة)

وصلوا أخيراً إلى مدخل البرج المركزي. كان الباب ضخماً، مصنوعاً من مادة تشبه الذهب الأبيض، وعليه نقوش غريبة (دوائر متداخلة). لا يوجد مقبض، ولا لوحة مفاتيح. يوجد فقط ثلاثة تجاويف بحجم الكف، وفي المنتصف تجويف صغير جداً.

اقترب آدم وقال: "هذا هو قفل السلالات. النظام لن يفتح إلا إذا شعر بوجود (المؤسسين الثلاثة) في نفس اللحظة." قال إياس: "لكن المؤسسين ماتوا منذ قرون!" قال آدم: "دمائكم.. جيناتكم هي المفتاح. ضعوا أيديكم."

وضع "جلمود" يده الخشنة في التجويف الأيمن. ووضع "ياسين" يده المرتجفة في التجويف الأيسر. ووضع "إياس" يده النحيلة في التجويف العلوي. ووضع "آدم" كفه الصغير في المنتصف.

شعروا بوخز إبر تخرج من التجاويف وتسحب عينة من دمائهم. أضاء الباب باللون الأحمر.. ثم البرتقالي.. ثم الأخضر. تكلم صوت آلي عتيق (بلغة عربية فصحى قديمة جداً): ((تم التحقق من الهوية: سلالة فتوها (تطابق 80%).. سلالة همون (تطابق 85%).. سلالة إنتنتوث (تطابق 90%).. العنصر الرابط (آدم) متوفر.. أهلاً بكم في غرفة التحكم المركزية.))

انفتح الباب بصوت هيدروليكي مهيب، ونفث غباراً عمره آلاف السنين.

الفصل الخامس: قاعة المرايا الكونية

دخلوا إلى القاعة. لم تكن غرفة تحكم عادية. كانت قاعة دائرية عملاقة، جدرانها كلها شاشات سوداء. في المنتصف، كانت هناك طاولة مستديرة (تشبه الطاولة التي صنعها خلدون في الجزء 28)، وعليها خريطة مجسمة (هولوغرام) لكوكب الأرض.

لكن الخريطة كانت مرعبة. الأرض في الخريطة كانت تضيء باللون الأحمر في مناطق محددة (تحت القشرة الأرضية). اقترب "إياس" وقرأ البيانات الظاهرة. شحب وجهه وسقطت العدسة من يده.

قال إياس بصوت مخنوق: "يا إلهي.. نحن لم نفهم شيئاً." سأله ياسين: "ماذا وجدت؟" قال إياس: "الحصادات بالخارج ليست شراً.. إنها تحاول إنقاذنا. انظروا إلى الخريطة. باطن الأرض يغلي. الضغط الداخلي وصل لمرحلة الانفجار. الحصادات تحفر (منافذ تنفيس) لتخرج الضغط، وإلا سينفجر الكوكب كله كقنبلة موقوتة."

صرخ جلمود: "لكنها تدمر مدننا في طريقها!" قال إياس: "بالنسبة للنظام الآلي، تدمير مدينة أفضل من تدمير الكوكب. إنه يختار أهون الشرين."

الفصل السادس: الخيار المستحيل

فجأة، أضاءت الشاشة الرئيسية، وظهر وجه رقمي (Avatar) يشبه وجه "سراج إنتنتوث" القديم (من الجزء 25). تحدث الوجه الرقمي (وهو ذكاء اصطناعي تركه الأجداد لإدارة الأزمات):

((تحذير: الضغط الجيولوجي حرج. عملية التنفيس التلقائي ستدمر 30% من سطح الأرض (ممالك الشمال والشرق). هل تريدون إيقاف التنفيس التلقائي؟))

صرخ الملوك الثلاثة: "نعم! أوقفوه فوراً!" رد الذكاء الاصطناعي: ((لإيقاف التنفيس التلقائي، يجب تفعيل (التنفيس اليدوي البديل). يوجد (صمام أمان) واحد فقط يمكنه إخراج الضغط بأمان دون تدمير المدن.))

سأل آدم: "أين يقع هذا الصمام؟" أضاءت خريطة الأرض، وظهرت نقطة خضراء تومض في مكان واحد محدد. نظر الملوك الثلاثة إلى النقطة.. وتجمدت الدماء في عروقهم.

الصمام يقع في "المنطقة المحايدة". تحديداً.. تحت "مقبرة الأجداد الثلاثة". المكان الذي يقدسه الجميع. المكان الذي يجمعهم. والمكان الذي يوجد فيه "برج آدم".

قال الذكاء الاصطناعي: ((لتفعيل الصمام، يجب تدمير المنطقة المحايدة بالكامل. سيختفي تاريخكم، وقبور أجدادكم، والرمز الوحيد لوحدتكم. الخيار لكم: دمار المدن والشعوب؟ أم دمار الرمز والمقدسات؟ أمامكم ساعة واحدة لاتخاذ القرار.))

نظر جلمود لياسين، ونظر ياسين لإياس. هل يضحون بمدنهم وشعوبهم؟ أم يضحون بـ "الرمز" الذي يمنعهم من الاقتتال؟ إذا دمروا المنطقة المحايدة، سيعودون قبائل متناحرة بلا رابط. وإذا تركوها، سيموت الملايين.

قال آدم بصوت هادئ وحزين: "يبدو أن الحصاد الحقيقي.. هو حصاد ما في صدوركم."

نهاية الجزء الثاني والثلاثون.

Last updated