الجزء السابع عشر: فتنة الحديد وسنن الاستبدال (عصر البارود والنور)
مقدمة: انقلاب الموازين مرت السنوات على اكتشاف "سيف" للمعدن، وتغير وجه الأرض. النبوءة التي وجدها سيف لم تكن سحراً، بل كانت سنة من سنن الله في خلقه: ((وتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)). القلوب هي التي تتغير، والأسماء والأنساب لا تشفع لأحد عند الله، بل التقوى والعمل الصالح. "سيف"، حفيد الملك الطيب همون، غلبت عليه شقوة النفس، وغره حلم الله عليه، فظن أن اكتشافه للحديد قوة ذاتية منه، ونسي أن الله هو ((مُنْزِلَ الْحَدِيدِ)). تحول قلبه إلى قسوة الصخر، وبدأ يُسخر القبائل حوله بالقوة، مؤسساً مملكة "القبضة الحديدية". أما "رعد"، حفيد الملك فتوها، فقد شرح الله صدره للإيمان. رأى طغيان صديق عمره، ففر بدينه إلى الجبال، متفكراً في ملكوت السماوات والأرض، موقناً أن هذا الحديد الذي بيد سيف لا يضر ولا ينفع إلا بإذن الله. الفصل الأول: اكتشاف "النار المحبوسة" (المسدس البدائي) لم يكتفِ سيف بالسيف. كان الشيطان (وسوسة النفس والهوى) يدفعه للمزيد. وفي أحد الأيام، وبينما كان حدادوه يعملون في جبال "الكبريت" الصفراء، حدث انفجار صغير عندما اختلط مسحوق أسود بشرارة النار. لم يخلق سيف شيئاً من عدم -حاشا لله- ولكنه اكتشف تفاعلاً كيميائياً خلقه الله في المواد. اكتشف "البارود". أخذ سيف وعلماؤه (الذين أغواهم بالمال والسلطة) يطورون هذا الاكتشاف. قاموا بصهر الحديد وصنعوا أنبوباً سميكاً، ووضعوا فيه البارود وكرة من الرصاص، وأشعلوا الفتيل. دوى صوت كالرعد، وانطلقت الرصاصة لتخترق ثلاثة دروع خشبية. صرخ سيف بنشوة الكبرياء: "هذا هو (المسدس البدائي)! من يملك هذا، يملك الرقاب!" كان سلاحاً بدائياً جداً، ثقيلاً، يطلق طلقة واحدة ويحتاج دقائق لإعادة تعبئته، وكثيراً ما ينفجر في وجه حامله، لكنه في ذلك العصر كان بمثابة معجزة مرعبة. الفصل الثاني: الهجرة والدعاء وصل خبر "أنبوب الموت" إلى رعد في منفاه في "وادي الصابرين". اجتمع حول رعد بضع مئات من المؤمنين المستضعفين، الذين رفضوا السجود لسيف. قالوا لرعد: "يا أبا اليقين (لقبه الجديد)، إن سيفاً قادم إلينا بجيش يحمل أنابيب تقذف النار، ونحن لا نملك إلا العصي والسيوف الصدئة. الهلاك محقق!" وقف رعد خطيباً فيهم، ووجهه يشع نوراً، وقال: "يا قوم، إن الله لم يخلقنا ليعذبنا، ولكنه يبتلينا ليمحص ما في قلوبنا. أليس الله بكافٍ عبده؟ سيف يعتمد على الحديد، ونحن نعتمد على رب الحديد. أعدوا ما استطعتم من قوة، ولكن اعلموا أن النصر من عند الله العزيز الحكيم." أمضى رعد وجيشه الليل كله في الصلاة والدعاء. كان صوت بكائهم ودعائهم يهز الجبال. كانوا يرددون دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصبة. فلن تُعبد في الأرض)). وكان رعد يكثر من قول: ((يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)). الفصل الثالث: الغزوة الأولى (يوم الابتلاء) زحف سيف بجيش جرار قوامه عشرة آلاف مقاتل، مسلحين بالدروع الحديدية وكتيبة خاصة تسمى "الرماة"، يحملون 50 قطعة من "المسدس البدائي". التقى الجيشان في منطقة تسمى "سهل الغرور". بدأت المعركة. أمر سيف بإطلاق النار. دوى صوت الانفجارات، وتصاعد الدخان الأسود. دب الرعب في قلوب جيش رعد، فالخيول جفلت من الصوت، والرجال سقطوا صرعى بطلقات لم يروها. تراجع جيش رعد. قُتل منهم المئات. بدا أن الشر قد انتصر انتصاراً ساحقاً. وقف سيف على تلة يضحك ويقول: "أين ربكم لينصركم؟ الحديد هو الإله في هذا العصر!" (أستغفر الله). انسحب رعد بمن بقي معه إلى شعاب الجبال الضيقة. كان درساً قاسياً. بكى رعد ساجداً وقال: "يا رب، هل سخطت علينا؟" فأُلهم في قلبه الآية الكريمة: ((وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ)). فهم رعد الدرس: النصر لا يأتي بالكرامات فقط، بل بالصبر، وبالأخذ بالأسباب الدقيقة، ودراسة عدوك. الفصل الرابع: سنوات الإعداد والتخطيط (الأسباب والمسببات) لم يستسلم رعد. أرسل عيوناً (جواسيس) ليدرسوا سلاح سيف. اكتشفوا نقطة ضعف خطيرة خلقها الله في هذا السلاح: البارود يفسد بالماء، والسلاح يسخن جداً بعد الطلقة الأولى فلا يمكن لمسه. قال رعد لجيشه: "الله خلق الداء والدواء. سلاحهم نار، ودواؤه الماء. وقوتهم في الأرض المفتوحة، ودواؤنا في المضايق." بدأوا بحفر الخنادق (اقتداءً بالصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه). وصنعوا "قِرباً" من جلود الإبل ملأوها بالماء والزيت. ودرب رعد رجاله على الرمي بالنبال من مسافات بعيدة جداً بدقة متناهية. الفصل الخامس: المعركة الكبرى (يوم الفرقان الجديد) بعد خمس سنوات، قرر سيف إنهاء وجود رعد تماماً. جمع جيشاً أكبر، وتحرك نحو الجبال. كان سيف مغتراً، لم يستخر الله ولم يذكر اسمه، بل خرج "بطراً ورئاء الناس". أما رعد، فصلى صلاة الاستخارة، وأمر جيشه بالتوبة النصوح قبل المعركة، وقال: "لا يقاتل معنا اليوم عاصٍ، فذنوبنا أخطر علينا من عدونا." وصل جيش سيف إلى "وادي السيول". كانت السماء ملبدة بالغيوم. رفع رعد يده إلى السماء وقال: ((اللهم مُجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)). وبقدرة الله، وبمجرد أن اصطفت الجيوش، انهمر مطر غزير جداً. حاول جنود سيف إشعال فتائل المسدسات البدائية، لكن البارود ابتل! تحولت أسلحتهم الفتاكة إلى قطع حديد ثقيلة بلا فائدة. تعطلت التكنولوجيا بقدرة مسير الكون. صرخ سيف: "قاتلوهم بالسيوف!" لكن الأرض الطينية -بسبب المطر- جعلت حركة جنوده المدرعين بالحديد ثقيلة جداً، فغاصت أقدامهم في الوحل. هنا، انقض جيش رعد الخفيف الحركة، المؤمن الصابر. كانوا يكبّرون: "الله أكبر! الله أكبر!"، فكان الصوت يزلزل قلوب أعدائهم أكثر من الرصاص. الفصل السادس: المواجهة الشخصية انهزم جيش سيف، وفروا هاربين تاركين "المسدسات البدائية" غارقة في الوحل. بقي سيف وحيداً، محاصراً في الوحل، يحاول سحب سيفه الثقيل فلا يستطيع. وصل إليه رعد. نظر سيف إلى رعد بعينين ملؤهما الحقد والذل، وقال: "أجهز عليّ يا رعد. التاريخ يكتبه المنتصر." أنزل رعد سيفه، ومد يده لصديقه القديم وقال: "لا يا سيف. التاريخ يكتبه الله، ونحن مجرد أدوات. لم أنتصر عليك بقوتي، بل بضعفك أمام قدرة الله. لقد حاربت من خلقك، فخذلك." بكى سيف. لم يبكِ خوفاً، بل انكساراً. لأول مرة منذ سنوات، تذكر جده همون، وتذكر الفطرة. أخذه رعد أسيراً، ولكنه أكرمه، وعامله بأخلاق الإسلام في التعامل مع الأسرى، يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس. الفصل السابع: مجتمع العدل والرحمة عادت الأمور إلى نصابها. حكم رعد بالعدل، وأسس مجلس شورى. أمر رعد بجمع كل "المسدسات البدائية". اختلف الناس: هل ندمرها أم نبقيها؟ وقف رعد وقال حكمة بالغة: "إن هذا الحديد نعمة من الله إذا استعمل في حماية الحق، ونقمة إذا استعمل في الظلم. لن ندمر العلم، بل سنهذب النفوس التي تحمله. سنحتفظ بها للدفاع عن ديارنا، ولكننا لن نعتمد عليها في قلوبنا. توكلنا على الله وحده." عاش الناس في رخاء، وكثرت المساجد وحلقات العلم، وانتشرت الأخلاق الحميدة. تاب سيف توبة نصوحاً، وقضى بقية حياته يعلم الشباب "كيمياء المواد" لتسخيرها في الزراعة والبناء لا في القتل، وكان يبكي كلما رأى المسدس ويقول: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنعت يداي في الجاهلية." الغلقة السرية (لفتح باب الجزء الثامن عشر): توفى رعد وسيف بعد سنوات طويلة طويلة، وهما شيخان كبيران صالحان، دُفنا بجوار بعضهما. وعاش العالم في سلام مؤقت ثم فجأة! ما هذا!!! نهاية الجزء السابع عشر.
Last updated