الجزء الخامس والعشرون: مثلث العرش والقفزة الكبرى (العودة إلى المهد)
مقدمة: على حافة الهاوية الكونية كانت الأرض تسبح بسرعة جنونية لا يمكن إيقافها نحو "الجدار العظيم" (نهاية الكون). أمامهم "مقبرة الحضارات": مليارات السفن المحطمة، وكواكب ميتة، وهياكل عظمية لكائنات بحجم الجبال، كلها تطفو في صمت مرعب. هذا هو المكان الذي تتوقف فيه الفيزياء، وينتهي فيه الزمان. في غرفة القيادة المركزية للأرض، كان اليأس هو السيد. "أمجد همون" (زعيم المؤمنين والعلماء) يقف مذهولاً، يسبح بحمد الله ويستغفر، مدركاً أن الأسباب المادية قد انقطعت. "براء فتوها" (زعيم المهندسين والجيش) يضرب الطاولة بقبضته، ويصرخ في الجنود لمحاولة تشغيل "مكابح الطوارئ" التي احترقت منذ أيام. الأرض ستصطدم بالجدار خلال 48 ساعة. الاصطدام هنا لا يعني الانفجار، بل يعني "المحو من الوجود". الفصل الأول: ظهور الضلع الثالث (ورثة المكر الهندسي) بينما كان الجميع ينتظرون النهاية، انفتح الباب الخلفي لغرفة القيادة ببطء شديد. دخل رجل لم يره أحد في المجالس العامة من قبل. رجل طويل القامة، يرتدي نظارة طبية ذات عدسات سميكة ومعقدة، وشعره أشعث، وفي يده لفافة ورق قديمة جداً ومتهالكة. وخلفه فريق من الشباب يحملون حواسيب بدائية ضخمة. صرخ براء: "من أنت؟ وكيف دخلت هنا؟" تحدث الرجل بصوت هادئ جداً ومبحوح: "أنتم تحاولون إيقاف القطار بوضع أقدامكم أمامه.. وهذا غباء. أنا جئت لأحول المسار." نظر إليه أمجد بتمعن ثم قال: "هذه الملامح.. هذه النظرة الماكرة.. أنت من سلالة (إنتنتوث)؟" ابتسم الرجل وقال: "نعم.. أنا (سراج إنتنتوث). سليل الملك الذي فجر الأرض من تحت فتوها الأول، وسليل زيدان الذي حرق القُمريين بالمرايا. نحن لا نظهر إلا عندما يعجز (القوة) و(الإيمان) وحدهما.. أنتم تحتاجون إلى (الحيلة)." الفصل الثاني: نظرية "الوتر الكوني" اجتمع الثلاثة (أمجد، براء، سراج) حول الطاولة المستديرة. لأول مرة يجتمع ممثلو السلالات الثلاثة الكبرى. فرش سراج مخططاته المعقدة. قال سراج: "الجدار العظيم الذي أمامنا ليس حائطاً سدّاً كما تظنون. إنه (مرآة جاذبية). كل الحضارات التي ماتت هنا حاولت (اختراقه) فتحطمت. خطأهم أنهم عاندوا الكون." سأله براء: "وما الحل؟" قال سراج: "نحن لن نخترقه. نحن سنستخدمه كـ (نبلة) أو (منجنيق). سنقترب منه بأقصى سرعة، وفي اللحظة الأخيرة قبل الاصطدام بملي متر واحد، سنقوم بـ (عكس قطبية الأرض). الجدار سيرفضنا وسيقذفنا بقوة ارتدادية هائلة إلى الخلف." سأل أمجد: "إلى الخلف؟ يعني سنعود للفضاء المفتوح؟" ضحك سراج وقال: "لا.. الارتداد لن يكون في المكان، بل في (الزمكان). قوة الارتداد ستكون عظيمة لدرجة أنها ستفتح (ثقباً دودياً) مؤقتاً. هذا الثقب سيقذفنا، ليس للخلف، بل إلى (نقطة البداية). إلى المدار الذي خُلقنا فيه." الفصل الثالث: تقسيم المهام (المثلث الذهبي) الخطة كانت مستحيلة نظرياً، وتتطلب دقة تصل إلى جزء من المليون من الثانية. تم تقسيم الأدوار بناءً على جينات ومواهب كل سلالة: آل فتوها (براء): قطاع الطاقة والدفع. مهمتهم: تجميع كل ذرة طاقة في الكوكب (من النواة، من الشمس الصناعية، حتى من حرارة أجساد الناس) وتوجيهها إلى "الدروع الأمامية" لتتحمل الضربة الأولى. آل إنتنتوث (سراج): قطاع الملاحة والحساب. مهمتهم: حساب زاوية الارتطام. خطأ واحد يعني أن الأرض ستتحول لغبار. سراج وفريقه حولوا أنفسهم إلى "حواسيب بشرية". آل همون (أمجد): قطاع الروح والتماسك. مهمتهم: أخطر مهمة. الارتطام سيولد ضغطاً نفسياً ورعباً يقتل البشر بالسكتة القلبية. أمجد عليه أن يربط قلوب 100 مليون إنسان (سكان الأرض الحاليين) بحبل من الدعاء واليقين الجماعي ليعملوا كـ "كتلة حيوية واحدة" تمنع تفكك الغلاف الجوي. الفصل الرابع: الدخول إلى "وادي الموت" بدأت الأرض تقترب من المقبرة. رأى الناس عبر الشاشات سفناً فضائية بحجم قارات، مهشمة ومحترقة. رأوا كائنات متجمدة ملامحها تصرخ رعباً. بدأ الخوف يتسرب. تحدث "أمجد" عبر مكبرات الصوت في كل الكوكب: "يا أهل الأرض.. يا أحفاد آدم. نحن لا نعبد الأسباب، بل نعبد رب الأسباب. ما ترونه من هلاك هو مصير من اعتمد على قوته. ونحن اليوم نعتمد على الله ثم على وحدتنا. قولوا جميعاً: (حسبنا الله ونعم الوكيل)." ردد 100 مليون إنسان الدعاء بصوت واحد، فحدثت ظاهرة غريبة: هالة نورانية زرقاء غلفت الأرض (طاقة الإيمان الجماعي التي اكتشفها أمجد في الجزء 24). الفصل الخامس: المناورة المستحيلة وصلت الأرض إلى "نقطة اللاعودة". الجدار الأسود يملأ الأفق. صرخ سراج: "الآن يا براء! أطلق الدروع بكل طاقتها!" ضغط براء الزر. تحولت مقدمة الغلاف الجوي إلى درع بلازمي متوهج. حدث الارتطام. لم يكن صوتاً.. كان صمتاً مطبقاً لأن الزمان توقف. شعر كل إنسان أن جسده يتمزق، وأن روحه تخرج منه. في غرفة القيادة، كانت أنوف الثلاثة تنزف دماً من الضغط. صرخ سراج وهو ينظر لعداداته المجنونة: "زاوية الانحراف 90 درجة! نحن ننزلق! نحتاج دفعة أخيرة!" لكن المحركات احترقت. نظر براء إلى سراج وأمجد. كان هناك "محبس يدوي" في قلب النواة يجب فتحه، لكن من يذهب سيموت فوراً من الحرارة والإشعاع. تصارع الثلاثة. براء يريد الذهاب، سراج يريد الذهاب. لكن "أمجد" كان الأسرع. قال أمجد: "جدي همون بدأ القصة بالضعف.. وأنا سأنهيها بالقوة. دعواتكم." قفز أمجد في أنبوب النواة. وصل إلى المحبس، وجسده يحترق. تذكر كل تاريخ أجداده، وتذكر وجه الله الكريم. فتح المحبس بصرخة: "الله أكبر!" الفصل السادس: القفزة عبر الثقب الدودي مع فتح المحبس، انطلقت شعلة طاقة هائلة من خلف الأرض. اصطدمت الأرض بالجدار، وبدلاً من أن تتحطم، "انبعج" الفضاء وابتلع الأرض. دخل الكوكب في نفق من الأضواء والألوان والأصوات. رأى الناس شريط حياتهم يمر أمامهم. رأوا تاريخ الأرض (حروب همون وفتوها، الطوفان، الزحف الأحمر) يمر بالعكس. كانت رحلة استغرقت في داخل النفق "ساعة"، لكنها في الزمن الكوني تعادل مليارات السنين الضوئية. كانت "سفينة نوح الفضائية" تعبر بحر العدم. الفصل السابع: الفجر الصادق (الشمس الصفراء) فجأة.. توقف الاهتزاز. ساد سكون تام. فتح الناس أعينهم. العدادات تعمل بهدوء. الشاشات تعرض صورة خارجية. صرخ أحد العلماء في غرفة القيادة: "مستحيل.. مستحيل!" نظر براء وسراج إلى الشاشة. لم يروا نجوماً غريبة، ولا سماء بنفسجية. رأوا كرة نارية صفراء متوسطة الحجم. دافئة، مألوفة، حنونة. ورأوا بجوارها كوكباً أحمر صغيراً (المريخ)، وكوكباً عملاقاً مخططاً (المشتري). انفجر سراج بالبكاء وهو يضحك: "إنها الشمس! شمسنا! لقد عدنا!" لقد قفزت الأرض وعادت إلى مدارها الأصلي القديم، في المنطقة الصالحة للحياة (Goldilocks Zone). الفصل الثامن: استشهاد البطل وترتيب العالم نزل براء وسراج مسرعين إلى غرفة النواة. وجدوا "أمجد" ملقى على الأرض. لم يحترق جسده بالكامل، بل كان وجهه يشع نوراً وسكينة، وعلى شفتيه ابتسامة نصر. مات أمجد همون، ليحيي البشرية. حملوه على الأكتاف كأعظم شهيد في تاريخ الأرض. الفصل التاسع: نزول الركاب (العودة للأرض) عادت الأرض لتدور حول الشمس. وبقدرة الله، بدأ الغلاف الجوي يعالج نفسه بسرعة بفضل حرارة الشمس الطبيعية. ذاب الجليد، وجرت الأنهار، وعاد اللون الأزرق يغطي الكوكب بدلاً من الرمادي. نزل الـ 100 مليون ناجٍ من "المدن المغلقة" إلى سطح الأرض المفتوح لأول مرة منذ قرون. تنفسوا هواءً طبيعياً. سجدوا على التراب وبكوا. الفصل العاشر: الميثاق الثلاثي (نهاية الخطر الكوني) اجتمع قادة العالم الجديد. لم يعد هناك "همون" و"فتوها" كأعداء. تم تأسيس "المجلس الثلاثي الأعلى" لحكم كوكب الأرض، لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي: آل همون (بقيادة ابن أمجد): مسؤولون عن القضاء، الدين، والتعليم. (الضمير). آل فتوها (بقيادة براء): مسؤولون عن الإعمار، الصناعة، والدفاع. (القوة). آل إنتنتوث (بقيادة سراج): مسؤولون عن التخطيط، العلم، والمستقبل. (العقل). الخاتمة: إغلاق الستار أصدر المجلس الثلاثي القرار رقم 1: ((تدمير وإتلاف ومحو كل تكنولوجيا "السفر الكوني"، وكل خرائط "الأرشيف"، وكل أسلحة الدمار الشامل. الأرض ستعود كوكباً معزولاً، هادئاً، يعيش أهله بالزراعة والصناعة النظيفة والعبادة. لقد رأينا من الكون ما يكفي، وعرفنا أن بيتنا هو الأجمل.)) قاموا بردم "غرفة القيادة" في القطب الشمالي، وأغلقوا مناجم "الدم الأسود". وعاش الناس في سلام حقيقي. اختفى الخطر الكوني. عادت الأرض إلى صمتها الجميل في ركن هادئ من مجرة درب التبانة، وكأن شيئاً لم يحدث. لكن الجينات.. جينات الأبطال الثلاثة.. بقيت تسري في دماء البشر، تنتظر فصلاً جديداً من التاريخ.. ولكن ليس الآن. النهاية التامة للملحمة الكونية. (الآن الأرض جاهزة للجزء 26، كصفحة بيضاء تماماً، بدول جديدة، وأسماء جديدة، وصراعات أرضية واقعية بعيداً عن الفضاء). نهاية الجزء الخامس والعشرون.
Last updated