الجزء الخامس والثلاثون: زحف الحديد ومملكة الكهوف المضيئة
مقدمة: شريعة الغابة
مر عام كامل على "شتاء الرماد". تحول العالم إلى غابة موحشة. القانون الوحيد السائد هو: "إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب". اختفت الرحمة من قلوب الناس بسبب الجوع. الرجل يقتل جاره من أجل رغيف خبز يابس. وفي ظل هذا الانهيار، برزت قوتان تتصارعان على جثة العالم، وقوة ثالثة تنمو بصمت في الظلام.
الفصل الأول: الإمبراطور الجديد (طموح بارق)
في مملكة الشمال (فتوها)، أحكم الجنرال "بارق" قبضته الحديدية. لم يكتفِ بعزل الملك "جلمود"، بل قام بتصفية كل الضباط الموالين له. أعاد بارق فتح "مصانع الحدادة القديمة" التي كانت مغلقة بأمر الميثاق. أجبر الحدادين والمهندسين (بالسوط والتجويع) على العمل ليل نهار. صنعوا دروعاً ثقيلة، ومجانيق عملاقة، وعربات مصفحة تجرها ثيران مدربة.
وقف بارق أمام جيشه الجديد (50 ألف جندي جائع وشرس) وخطب فيهم: "الشرق (مملكة همون) يمتلك مخازن الحبوب المتبقية.. والغرب (مملكة إنتنتوث) يمتلك خرائط المياه الجوفية. ونحن نملك الحديد. سنأخذ ما عندهم بالقوة لنعيش. من اليوم، لا توجد ممالك ثلاث.. توجد إمبراطورية واحدة، وأنا قيصرها."
زحف جيش الشمال نحو الشرق، كالجراد المنتشر، يحرقون الأخضر واليابس.
الفصل الثاني: سقوط الشرق (مأساة همون)
كانت مملكة الشرق (همون) في حالة يرثى لها. الملك "ياسين" طريح الفراش بسبب جرحه المسموم، والهذيان يسيطر عليه. الجيش مفكك، والعلماء هربوا أو قُتلوا على يد جماعة "أصحاب الكفن".
عندما وصل جيش "بارق" إلى الحدود، لم يجد مقاومة تذكر. اجتاحوا القرى، ونهبوا الصوامع. لكن "بارق" لم يجد الحبوب التي كان يحلم بها. وجد الصوامع شبه فارغة (لأن جماعة أصحاب الكفن أحرقتها سابقاً).
جن جنون بارق. أمر جنوده: "إذا لم تجدوا قمحاً.. فاحرقوا مدنهم. ليعلموا أن الجوع أرحم من سيف بارق." تحولت مدن الشرق الوادعة، التي كانت يوماً منارة للدين والسلام، إلى ركام ودخان. هرب الناس إلى الصحراء والجبال، يموتون من البرد والرعب.
الفصل الثالث: في الكهف (هندسة البقاء)
في "الأرض المحرمة" (الصحراء)، كان الوضع مختلفاً تماماً. داخل شبكة الكهوف المعقدة، كان "آدم" و**"سارة إنتنتوث"** يعملان بصمت.
"سارة" كانت تقرأ المخطوطات التي أنقذتها من قصر أبيها، وتترجم الشفرات المعقدة. و"آدم" كان ينفذ. آدم لم يكن مهندساً عادياً. كانت لديه قدرة غريبة (ربما بسبب نشأته في البرج أو جيناته الغامضة) على "فهم الآلة". بمجرد أن يلمس قطعة معدنية قديمة، يعرف كيف يشغلها.
نجح آدم في تشغيل "مُصنِّع قديم" (3D Fabricator) صغير الحجم وجده في مخبأ سري. بدأ المصنع في إنتاج قطع غيار دقيقة. أصلح آدم جيشاً صغيراً من "الذئاب الميكانيكية" (روبوتات استطلاع وحراسة بحجم الكلب، سريعة جداً، وتعمل بالطاقة الشمسية). قال آدم لسارة: "نحن لا نملك العدد.. لكننا نملك العيون والسرعة."
الفصل الرابع: الهجوم الخفي (حرب الأشباح)
وصلت أخبار مجازر "بارق" إلى الكهف عبر الذئاب المستطلعة. قالت سارة: "بارق يتجه نحو (سد المياه الكبير) في الغرب. إذا سيطر عليه، سيتحكم في حياة البشرية كلها." قال آدم: "لن يصل إليه. جيشه ثقيل وبطيء.. ونحن سنكون كالأشباح."
في تلك الليلة، وبينما كان جيش بارق يخيم في وادٍ ضيق، حدث شيء مرعب. لم يهاجمهم جيش. بل بدأت خيولهم وعرباتهم "تتعطل" فجأة. تسللت الذئاب الميكانيكية الصغيرة في الظلام، وقامت بقطع "محاور العجلات" للعربات، وتمزيق "سيور" المجانيق. وعندما استيقظ الجنود على الضجيج، رأوا عيوناً حمراء تلمع في الظلام وتختفي بسرعة البرق. أطلقوا النار والسهام عشوائياً، فأصابوا بعضهم البعض. دب الرعب في الجيش. صرخ الجنود: "أرواح الأجداد تحاربنا! اللعنة حلت علينا!"
تعطل تقدم بارق لأيام. وبدأ جنوده يهربون من الخوف.
الفصل الخامس: الصياد يظهر وجهه
بينما بارق غارق في الفوضى، وآدم يشن حرب عصابات تقنية، قرر الطرف الثالث "الصياد" (زعيم أصحاب الكفن) أن يكشف عن ورقته الرابحة.
"الصياد" لم يكن مجرد ثائر همجي. الصياد كان "منقباً" سابقاً في مناجم إنتنتوث. وكان يعرف الأنفاق جيداً. تسلل الصياد ورجاله إلى "مدينة ميتة" تحت الأرض (ليست المصهر، بل مستودع نفايات كيميائية قديم). وجدوا هناك براميل مغلقة بشعار "خطر بيولوجي".
وقف الصياد أمام أتباعه وقال: "الملوك يقاتلون بالحديد.. والفتى آدم يقاتل بالدمى.. ونحن سنقاتل بـ (الريح السوداء)." فتحوا البراميل. لم يخرج غاز يقتل فوراً. بل خرجت "بكتيريا آكلة للمعادن". كانت هذه البكتيريا مصممة قديماً لتفكيك النفايات، لكن الصياد قرر استخدامها كسلاح.
الفصل السادس: الطاعون المعدني
أطلق الصياد البكتيريا في مهب الريح تجاه جيش بارق وتجاه المدن المتبقية. في الصباح، استيقظ الجنود ليجدوا سيوفهم ودروعهم تتفتت كالبسكويت! المباني التي تعتمد على دعامات حديدية انهارت. جيش "بارق" القوي أصبح "عارياً". لا سلاح، لا عربات. تحول "زحف الحديد" إلى "زحف العرايا".
وقف بارق مذهولاً، ينظر لسيفه وهو يتحول لغبار صدأ في يده. صرخ بارق: "أي سحر هذا؟!" جاءه رسول من الصياد يقول: ((الأرض ترفض حديدكم. سلموا أنفسكم لأصحاب الكفن، أو موتوا تحت أنقاض مدنكم.))
الفصل السابع: ملاذ "الواحة الزجاجية"
أدرك آدم وسارة أن العالم ينهار أسرع مما توقعوا. البكتيريا ستأكل كل شيء معدني، بما في ذلك "ذئاب آدم" و"المصنع". قالت سارة بذكاء إنتنتوث: "هذه البكتيريا تأكل المعدن فقط.. لكنها لا تأكل الزجاج أو الحجر."
قام آدم بتفعيل خطة الطوارئ. استخدم المصنع لآخر مرة قبل أن يتآكل، لصنع "قبة زجاجية عازلة" فوق مدخل الكهف الرئيسي. وأحاط الكهف بخندق مليء بمادة كيميائية تقتل البكتيريا (استخلصتها سارة من الفطر البري).
حولوا الكهف إلى "واحة آمنة". أناروا الكهف ببلورات فسفورية طبيعية. زرعوا فيه نباتات سريعة النمو تحت ضوء صناعي خافت. أصبح الكهف هو المكان الوحيد في العالم الذي يحتوي على: ضوء، طعام، وأمان من البكتيريا والبرد.
الفصل الثامن: دعوة النجاة
أرسل آدم رسله (بشريين هذه المرة، لأن الذئاب تعطلت) إلى المدن والجيوش المنهارة. رسالة واحدة بسيطة: ((من أراد الحياة بلا سيف وبلا حقد.. فليأتِ إلى (واحة الجبل). الباب مفتوح للجميع، بشرط واحد: اتركوا عداواتكم ونسبكم عند الباب.))
بدأ الناس يتوافدون. جنود هاربون من جيش بارق. فلاحون من مملكة همون. حتى بعض التائبين من أصحاب الكفن. دخلوا الواحة، فوجدوا الدفء والنور. وجدوا آدم وسارة يوزعون الحساء ويعالجون الجرحى. لا يوجد ملك، ولا جنرال. يوجد فقط "نظام".
الفصل التاسع: الغلقة (تحالف الأشرار)
في الخارج، بقي اثنان رفضا الدعوة:
الجنرال بارق: الذي رفض التنازل عن كبريائه رغم ضياع جيشه.
الصياد: الذي يرى في "واحة آدم" تهديداً لسلطته القائمة على الفوضى.
التقى بارق والصياد في خيمة مهترئة وسط العاصفة. عدوان لدودان، جمعهما الحقد على "الفتى الذي يملك النور". قال بارق: "أنا أملك الرجال الأقوياء (حتى بلا سلاح)." قال الصياد: "وأنا أملك السموم والمعرفة بالطرق الوعرة."
تصافحا (يد بارق الخشنة، ويد الصياد الملطخة بالرماد). قال الصياد: "تلك الواحة الزجاجية.. سنكسرها فوق رؤوسهم. لن نسمح بوجود جنة في عالم نحن نحكم جحيمه."
وفي تلك اللحظة، في السماء المظلمة، ظهر وميض غريب جداً. نجم أحمر ساطع بدأ يقترب من الأرض مرة أخرى (مثل الزحف الأحمر القديم). لكنه لم يكن زحفاً.. كان شيئاً آخر.. شيئاً استدعاه "الخلل في التوازن البيئي" الذي أحدثته البكتيريا.
نهاية الجزء الخامس والثلاثون.
Last updated