الجزء السادس عشر
مرت الأيام والشهور، وكان العالم يعيش في نعيم الفطرة الأولى، حيث لا صوت يعلو فوق صوت العصافير وخرير المياه. لكن "سيف"، سليل الملك همون، لم يعد كما كان. تلك القطعة المعدنية السوداء التي وجدها خلف الشلال لم تكن مجرد خردة، بل كانت "وحدة تخزين معرفية" نشطة، وبمجرد لمسها، بدأت تبث في عقله أفكاراً لم يعرفها هذا العصر الجديد. بدأ سيف ينعزل عن صديقه "رعد" وعن القبيلة. كان يذهب إلى كهف مهجور في أعماق الجبال البركانية الخامدة. الصوت في رأسه كان يعلمه شيئاً مرعباً بالنسبة لهذا الزمن البسيط: "كيفية استخراج الحديد وصهره". في عالم مصنوع من الخشب والحجارة، كانت فكرة "المعدن" هي التكنولوجيا المحرمة. قضى سيف ليالي طويلة يوقد ناراً سرية، يطرق الحجارة السوداء، ويتبع تعليمات الصوت الميكانيكي بدقة، حتى نجح في صنع المستحيل. لقد صنع "السيف". لم يكن سيفاً عادياً، بل كان نصلًا مصقولًا بذكاء هندسي قديم، حادًا لدرجة أنه يشطر الشعرة، ولامعًا كأنه قطعة من القمر. في هذا العصر، كان هذا السيف يوازي في قوته القنبلة الذرية في العصور القديمة. من يملك الحديد في عالم الخشب، يملك الحكم. عندما أمسك سيف بالمقبض، تغيرت ملامح وجهه الطيبة. شعر بقوة غاشمة تسري في عروقه. خرج ليلاً ليجرب "التكنولوجيا" الجديدة. ضرب صخرة ضخمة، فانفلقت نصفين بلمسة واحدة. ضرب شجرة بلوط معمرة، فسقطت بصمت. تسلل "الغرور" إلى قلب سيف. نظر إلى قريته النائمة وقال بصوت خافت: "لماذا نعيش في الخوف من الذئاب والبرد؟ لماذا نرضى بالقليل وأنا أملك مفتاح القوة؟ جدي همون كان طيباً فمات.. لكن هذا المعدن.. هذا المعدن لا يموت". وفي صباح اليوم التالي، حدثت الواقعة التي قلبت الموازين. هجم نمر ضخم على القرية، وتراجع الجميع بخوف، حتى "رعد" الذي كان يحمل عصا خشبية. فجأة، قفز سيف ببرود تام، وأخرج السيف من تحت ردائه. لمع النصل تحت أشعة الشمس فعميت الأبصار لثانية، وبحركة واحدة سريعة لم ترها العين، سقط النمر صريعاً. ذهل أهل القرية. لم يهتفوا له، بل تراجعوا للخلف برعب. هذا "الشيء" اللامع ليس من طبيعة عالمهم. نظر "رعد" إلى صديق عمره وقال بصوت مرتجف: "ما هذا يا سيف؟ هذا ليس من صنع الأرض.. هذا شر". نظر سيف إلى رعد نظرة استعلاء لم يعهدها أحد من سلالة همون من قبل، وقال: "هذا ليس شراً.. هذا هو النظام الجديد. هذا هو (السيف)، وبه سيبدأ عصر المجد". النهاية السرية والمثيرة للتفكير: في تلك الليلة، وبينما كان سيف يتأمل انعكاس وجهه على نصل السيف اللامع، حدث شيء غريب جداً ومثير للقشعريرة. الصوت في رأسه (وحدة التخزين) طلب منه أن يذهب إلى مكان محدد جداً في الصحراء، عند أطلال مدينة مدفونة. وهناك، أمره الصوت أن يغرس السيف في شق صخري محدد. عندما فعل سيف ذلك، لم يفتح باب كنز، ولا مخزن أسلحة. بل انشقت الأرض وظهرت "لوحة جدارية" قديمة جداً محفوظة في زجاج لا ينكسر. اللوحة كانت مرسومة منذ آلاف السنين (من عصر الملك فتوها الأول)، وكانت تصور نبوءة غريبة: "رجل يحمل سيفاً بدائياً يقتل رجلاً يحمل زهرة". ولكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الرسم، بل في الكتابة المحفورة تحتها. قرأ سيف الكتابة ببطء، وتسمرت عيناه من الصدمة. كانت الكتابة تقول: "دورة الزمن المقلوبة: عندما يمسك (الطيب) بالسلاح أولاً، سيتحول (الشرير) إلى ضحية، وسيولد الشيطان الأعظم من دماء همون، بينما سيولد المنقذ من دماء فتوها." أدرك سيف في تلك اللحظة الحقيقة المرعبة.. التاريخ لا يعيد نفسه، التاريخ يعكس نفسه. لقد أصبح هو "الشرير" الجديد دون أن يدري، وأن صديقه "رعد" (حفيد فتوها) هو الذي سيضطر لأن يكون "البطل". ابتسم سيف ابتسامة ساخرة ومظلمة، وسحب السيف من الصخر وقال: "فليكن.. إذا كان القدر يريدني شريراً، فسأكون شراً لم يرَ العالم مثله قط". نهاية الجزء السادس عشر.
Last updated