الجزء الثاني والعشرون: سكون المائة عام (الجيل الصابر)
الفصل الأول: الحصاد الصامت مرت ثمانون عاماً من أصل المائة المتفق عليها في "ميثاق الهدنة". تحولت أسطح الأرض (السفينة) إلى حقول خضراء شاسعة تحت الأضواء الصناعية. الرجال الذين كانت أيديهم ملطخة بالدماء والزيوت السوداء، أصبحت أيديهم الآن خشنة من الإمساك بالفأس والمحراث. في أحد الحقول، كان هناك شابان يقطعان الأخشاب: الأول "كنعان" (من سلالة بدر همون). الثاني "ياسر" (من سلالة قيصر فتوها). كان العرق يتصبب من جبينهما. توقف "ياسر" عن العمل واتكأ على فأسه وقال: "أحياناً أتساءل يا كنعان.. هل خلقنا الله لنكون فلاحين في وسط هذا الفراغ المظلم؟ أجدادي كانوا يبنون المصانع ويحكمون العالم، وأجدادك كانوا يقودون الجيوش. ونحن؟ نزرع القمح وننتظر الموت." نظر إليه "كنعان" بجدية وقال: "هذا الملل هو النعمة التي دفع أجدادنا حياتهم ثمنها. جدك (قيصر) أحرق الأرض بحثاً عن القوة، وجدي (بدر) كاد يموت لإطفاء النار. نحن حراس هذا الهدوء يا ياسر. الجهاد الآن هو جهاد النفس ضد الطمع." الفصل الثاني: الوصية الأخيرة في تلك الليلة، استدعي الشابان على عجل إلى "غرفة القيادة القديمة". كان الملك العجوز "بدر همون" (الذي تجاوز المائة عام) يلفظ أنفاسه الأخيرة. حوله تجمع كبار رجال الدولة والعلماء. أمسك بدر بيد كنعان ويد ياسر، وجمعهما معاً وقال بصوت متهدج: "يا أبنائي.. الهدنة أوشكت على الانتهاء. والنفوس بدأت تتوق للحديد مرة أخرى. واعلموا أن عدوكم القادم ليس (الزحف الأحمر) ولا (الشركات).. عدوكم هو الفتنة." سعل بدر بشدة ثم أكمل وصيته الخطيرة: "نحن لسنا تائهين.. نحن نسير في مسار (إجباري) وضعه القدماء. وحسب حسابات الفلكيين، الأرض ستقطع قريباً منطقة تسمى (حزام الصمت). في تلك المنطقة، ستتوقف كل الآلات عن العمل، ولن ينجيكم إلا ثبات القلوب، والعمل اليدوي، ووحدة الصف. إياكم أن تختلفوا هناك.. فالتفرق في حزام الصمت يعني الهلاك." نطق بدر الشهادة، وفاضت روحه إلى بارئها. مات آخر الرجال العظماء الذين شهدوا العصر القديم. دفنه الرجال في جنازة مهيبة صامتة، وشعر الجميع أن "خيمة الأمان" قد رفعت. الفصل الثالث: دخول "حزام الصمت" بعد وفاة بدر بشهر واحد، تحققت الوصية. فجأة، بدأت أنوار الأرض (السفينة) تنطفئ تدريجياً. المحركات التي كانت تصدر أزيزاً مستمراً منذ قرون.. صمتت. الشاشات انطفأت. حتى الساعات الرقمية توقفت. دخلت الأرض في منطقة كونية ذات مجال مغناطيسي كثيف جداً يعطل أي تيار كهربائي. ساد الظلام الدامس والبرد القارس. دب الرعب في قلوب الناس. بدأ البعض يصرخ: "لقد هلكنا! المحركات ماتت!" هنا ظهر معدن الرجال. وقف "كنعان" و"ياسر" ومعهم رجال "الهدنة". لم يعتمدوا على التكنولوجيا، بل أشعلوا المشاعل النارية (التي جهزوها بناءً على وصية بدر)، وانتشروا في المدن يهدئون الناس. قال كنعان للناس: "الله هو الذي يسير هذا الكوكب، لا المحركات. الآلات توقفت، لكن سواعدنا لم تتوقف. سنشعل الأفران يدوياً، وسندير عجلات التهوية بأيدينا." الفصل الرابع: اختبار "الخردة المغرية" بينما كانت الأرض تسبح ببطء في هذا الظلام، اصطدمت بشيء في الفضاء. لم يكن كويكباً، بل كان حطاماً لسفينة فضائية غريبة وعملاقة، تبدو أنها من حضارة متطورة جداً لكنها هلكت في هذا الحزام منذ زمن بعيد. نزل فريق استكشافي بقيادة "ياسر" (سلالة فتوها) لتفقد الحطام العالق بسطح الأرض. وجدوا داخل الحطام أسلحة. أسلحة مرعبة.. مدافع ليزر، قنابل بلازما، ودروع لا تُكسر. ورغم أن الإلكترونيات معطلة، إلا أن "المواد" نفسها كانت كنزاً حربياً لا يقدر بثمن. لمعت عين "ياسر". تحركت فيه جينات جده "قيصر". قال لرجاله: "انظروا! إذا أخذنا هذه الأسلحة، سنكون ملوك الأرض عندما نخرج من حزام الصمت. لن يجرؤ أحد على الوقوف أمامنا." سمع "كنعان" بهذا، فجاء مسرعاً. دار نقاش حاد بين الصديقين وسط حطام السفينة الغريبة. قال كنعان: "يا ياسر! ألم نتعلم الدرس؟ هذه الأسلحة هي التي أهلكت أصحاب هذه السفينة. الله ساقنا إلى هنا ليمتحننا: هل سنعتمد عليه أم نعود لعبادة القوة؟" قال ياسر: "لكنها فرصة لن تتكرر! العالم الخارجي موحش، ونحن نحتاج لقوة." رفع كنعان يده ووضعها على كتف ياسر وقال: "قوتنا في وحدتنا يا أخي. لو أدخلنا هذه الأسلحة، سيسيل اللعاب، وسينقسم الناس، وستعود الحرب بين آل همون وآل فتوها. هل تريد أن تخون عهد الـ 100 عام من أجل خردة؟" نظر ياسر إلى الأسلحة، ثم نظر إلى يد كنعان الممدودة. صارع نفسه طويلاً، ثم انتصر "ياسر الجديد" على "قيصر القديم". قال ياسر: "صدقت. فلتذهب للجحيم." أمر ياسر رجاله بدفع حطام السفينة بعيداً عن الأرض. دفعوها بأيديهم وسواعدهم حتى انفصلت عن جاذبية الأرض وابتعدت في الظلام. الفصل الخامس: الخروج من الظلمات إلى النور بمجرد أن تخلصوا من "فتنة السلاح"، حدثت المعجزة. بدأت الأرض تخرج تدريجياً من "حزام الصمت". عادت الأنوار للعمل. دارت المحركات بقوة أكبر من ذي قبل. وعاد الدفء. سجد الجميع شكراً لله. أيقنوا أن النجاة لم تكن بالذكاء ولا بالتكنولوجيا، بل بترك "الحرام" (الأسلحة المغرية) والثقة بالله. الفصل السادس: المنظر المهيب (صدمة الحضارات) بعد الخروج من الحزام، انقشع الغبار الكوني، وأصبحت الرؤية واضحة لأول مرة منذ قرن. تجمع "كنعان" و"ياسر" وكل رجال الأرض أمام الشاشات العملاقة لرؤية "ماذا يوجد بعد الحزام". توقعوا أن يروا فضاءً فارغاً.. أو نجوماً بعيدة. لكن ما رأوه جعلهم يخرسون من الصدمة. الأرض لم تكن في فضاء فارغ. الأرض كانت تقترب من "تجمع مجري عظيم". رأوا أمامهم مئات الكواكب الصناعية العملاقة، وطرقاً ضوئية تربط بين النجوم، وسفناً تجارية بحجم القارات تتحرك جيئة وذهاباً. لقد خرجت الأرض من "الصحراء" لتدخل وسط "سوق المجرة". الكون ليس خالياً. الكون مزدحم بحضارات، وممالك، وامبراطوريات تجارية وعسكرية لا حصر لها. الفصل السابع: الغلقة (الرسالة التحذيرية) بينما كانوا ينظرون بذهول، التقطت أجهزة الأرض "إشارة مسح" قوية جداً موجهة إليهم من إحدى المحطات الفضائية العملاقة القريبة. ظهرت رسالة نصية (تمت ترجمتها آلياً لأن لغتهم تعتمد على الرياضيات الكونية): ((تنبيه للسفينة القادمة من القطاع المظلم (الأرض): أنتم تدخلون الآن "المنطقة الفيدرالية الرابعة". عرفوا عن أنفسكم: هل أنتم تجار؟ أم لاجئون؟ أم محاربون؟ تحذير: إذا كنتم تحملون (جينات التدمير)، سيتم إبادتكم فوراً.)) نظر كنعان إلى ياسر برعب. الأرض تحمل تاريخاً طويلاً من التدمير (جينات همون وفتوها). هم الآن مكشوفون أمام حضارات قد تكون أقوى منهم بمليون مرة. قال ياسر: "ماذا سنرد؟" قال كنعان وهو يشد على قبضة يده: "سنقول الحقيقة.. نحن الناجون. ونحن مستعدون لأي شيء." نهاية الجزء الثاني والعشرين.
Last updated