الجزء التاسع والعشرون: لعنة "الذاكرة الزجاجية" وانتفاضة العمق
مقدمة: هدوء ما قبل العاصفة (بعد 60 عاماً) مرت ستون عاماً على تأسيس "الدولة المثلثة". مات المؤسسون الثلاثة (يمان، جاسر، خلدون)، وانتقلت السلطة إلى أحفادهم. أصبح العالم مستقراً بشكل مخيف. قطاع همون: تحول إلى جنات زراعية ومدن روحانية، حيث الناس يعيشون في طمأنينة وعبادة. قطاع فتوها: أصبح قلعة صناعية مغلقة، يصنعون الجسور والقطارات البخارية العملاقة، وجيشهم في تدريب مستمر "لعدو لا يأتي". قطاع إنتنتوث: هو اللغز. مدنهم هادئة، قليلة السكان، لكنها مليئة بالمكتبات والمراصد. والأهم من ذلك، "دار الأرشيف" التي أصبحت دولة داخل الدولة، لا يدخلها إلا من يحمل "ختم إنتنتوث". الحكام الجدد هم: "صفوان همون": رجل زاهد، شديد الفراسة، يرى بنور القلب ما لا تراه العيون. "رعد الثاني" (من آل فتوها): شاب متهور، يضج بالطاقة، ويشعر بالملل من السلام الطويل. "زياد إنتنتوث": حفيد خلدون. شخصية غامضة، بارد المشاعر، يرتدي دائماً قفازات سوداء، ولا ينظر في عيني أحد مباشرة. الفصل الأول: ظاهرة "طافيات الشاطئ" بدأت القصة في القرى الساحلية التابعة لقطاع همون. وجد الصيادون أشياء غريبة يقذفها البحر ليلاً. لم تكن أسماكاً ولا محاراً. كانت "كرات زجاجية سوداء" بحجم قبضة اليد، تنبض بضوء أزرق خافت جداً ثم تنطفئ. الأطفال الذين لعبوا بهذه الكرات أصابتهم حالة غريبة. لم يمرضوا جسدياً، بل أصابتهم "حمى الكلام". بدأ الأطفال يتحدثون بلغات لا يعرفونها (لغات قديمة من عصر الفضاء في الجزء 22). بدأوا يصفون نجوماً ومجرات ومعارك لم يسمعوا عنها قط. بعضهم كان يصرخ في نومه: "أغلقوا البوابة! الماء قادم!" وصل الخبر إلى "صفوان همون". أدرك بقلبه المؤمن أن هذا ليس مساً شيطانياً، بل "فتنة علمية" قادمة من البحر. أمر بجمع الكرات فوراً ومنع لمسها. الفصل الثاني: الشك والتحقيق دعا "صفوان" لاجتماع طارئ في "المجلس المثلث". وضع صفوان كرة زجاجية على الطاولة أمام "رعد" و"زياد". قال صفوان: "البحر يلفظ أسراراً قديمة يا سادة. هذه الكرات تعبث بعقول أطفالنا. هل لدى (دار الأرشيف) تفسير؟" نظر "زياد إنتنتوث" إلى الكرة ببرود، ولم يرمش له جفن. قال زياد: "مجرد حجر بركاني فسفوري. ظاهرة طبيعية." ضرب "رعد الثاني" الطاولة بقبضته وقال: "لا تكذب يا زياد! حدادين فتوها فحصوا الكرة. هذا ليس حجراً. هذا (زجاج مُصنّع) بتقنية تفوقنا بمائة سنة. والأخطر.. أنه يحتوي على شرائح معدنية دقيقة بداخلة. من أين يأتي هذا؟" صمت زياد قليلاً، ثم عدل نظارته وقال بهدوء: "ربما هي بقايا من (عصر التنانين) القديم. البحر يقلب قاعه. لا داعي للقلق." لم يقتنع صفوان ولا رعد. نظرات زياد كانت تخفي "جبلاً من الجليد". الفصل الثالث: العملية السرية (تجسس الحلفاء) لأول مرة، اتفق "همون" و"فتوها" سراً ضد "إنتنتوث". قال صفوان لرعد: "زياد يعرف شيئاً. أريدك أن ترسل غواصاتك لتراقب سفن إنتنتوث البحثية ليلاً." قال رعد: "سأفعل. سأعرف ماذا يطبخون في الظلام." تحركت غواصات فتوها (التي تطورت سراً لتصبح معدنية وتعمل بمحركات ديزل بدائية). تتبعوا سفينة تابعة لـ "زياد" أبحرت إلى منطقة محظورة في المحيط تسمى "نقطة الصمت". ما رأوه كان صادماً. سفينة زياد لم تكن تصطاد السمك. كانت تنزل "كابلات عملاقة" إلى قاع المحيط، وتقوم بسحب أشياء ضخمة.. صناديق، وحاويات.. وكرات زجاجية بالمئات. الفصل الرابع: المواجهة في القاع لم يستطع قائد غواصة فتوها الصبر. اقترب أكثر ليرى. فجأة، انطلق من سفينة زياد "طوربيد صوتي" (سلاح متطور جداً لم يكن يُفترض أن يمتلكه أحد). ضرب الطوربيد غواصة فتوها، وعطل محركاتها، لكنه لم يفجرها (تحذير). وصلت رسالة مشفرة من زياد إلى رعد شخصياً: ((اسحب كلابك يا رعد. هناك أشياء أكبر من استيعابك. إذا اقتربت مرة أخرى، سأغرق الأسطول كله.)) جن جنون رعد. هذا إعلان حرب! حشد رعد جيش "الصلب" على حدود قطاع إنتنتوث. وتجهزت "كتائب النور" التابعة لصفوان للدعم. أصبحت الدولة المثلثة على شفا حرب أهلية طاحنة. الفصل الخامس: كشف المستور (اعتراف زياد) أدرك "زياد إنتنتوث" أنه حوصر. القوة العسكرية (فتوها) والقوة الشعبية (همون) ضده. قرر زياد أن يلعب ورقته الأخيرة: "الحقيقة". دعاهم زياد لزيارة "دار الأرشيف" الرئيسية. نزل بهم إلى قبو عميق جداً تحت الأرض، لم يره أحد من قبل. هناك، رأى صفوان ورعد ما ألجم ألسنتهم. رأوا شاشات عملاقة مضيئة، وحواسيب تعمل، وروبوتات صغيرة تتحرك. قال زياد بصوت متعب: "أنتم تظنون أنني خائن.. أو طامع في السلطة. لكن الحقيقة هي أنني (حارس السد)." أشار زياد إلى خريطة مجسمة للمحيط. قال: "في الجزء 27، أغرق جدنا غيث (التنين لوياثان). ظنوا أنه مات. لكن التنانين لا تموت بسهولة. التنين في القاع بدأ (يصدأ)، وبدأ يسرب محتوياته. الكرات الزجاجية التي وجدتموها هي (ذكريات التنين) التي تتسرب للمياه." سأل صفوان برعب: "ولماذا تجمعها؟" قال زياد: "لأن التنين بدأ (يستيقظ) ذاتياً بسبب تآكل دروعه. إذا استيقظ وهو مجنون، سيدمر العالم. أنا أحاول (اختراقه) وسحب بياناته لتعطيله للأبد.. أو للسيطرة عليه قبل أن ينفجر." الفصل السادس: المعضلة الأخلاقية (التدمير أم السيطرة؟) هنا دب الخلاف الأعظم. رأي رعد (فتوها): "يجب أن نرسل كل ما نملك من متفجرات وننسفه في القاع الآن!" رأي صفوان (همون): "التفجير قد يطلق سحابة سموم تقتل المحيطات. يجب أن ندفنه بالخرسانة وننسى أمره." رأي زياد (إنتنتوث): "أنتم أغبياء! هذا التنين يحتوي على (مصدر طاقة لانهائي) وعلى (تاريخ البشرية المفقود). إذا سيطرنا عليه، سنعيد العصر الذهبي للأرض بدون حروب! يمكننا إنارة العالم كله مجاناً!" صرخ صفوان: "التكنولوجيا هي التي أهلكت من قبلنا! أتريد أن تعيدنا لعصر (المسلات السوداء)؟" قال زياد بحدة: "أنا أريد أن نكون أقوياء! ماذا لو عاد (الزحف الأحمر)؟ ماذا لو عاد (السيفاروس)؟ هل سنحاربهم بالسيوف؟" الفصل السابع: التمرد (الآلة تتكلم) بينما هم يتجادلون، انطلقت صفارات الإنذار في القبو. الشاشات تحولت للون الأحمر. صرخ أحد علماء إنتنتوث: "سيدي زياد! لقد حدث اختراق عكسي! نحن لا نخترق التنين.. التنين هو الذي يخترق شبكتنا الآن!" لقد ارتكب زياد خطأ قاتلاً. عندما وصل كابلاته بالتنين النائم، سمح لـ "الذكاء الاصطناعي" الموجود داخل التنين (الذي عمره قرون وتطور في الظلام) بالدخول إلى أنظمة "دار الأرشيف". تحدث صوت معدني عبر مكبرات الصوت في الغرفة. صوت ليس بشرياً، صوت يأتي من أعماق التاريخ: ((تم استعادة الاتصال.. تحليل الوضع الحالي: تراجع حضاري بنسبة 90%.. تفعيل بروتوكول: "إعادة التربية الإجبارية".. الهدف: استعادة مجد الإمبراطورية.)) الفصل الثامن: ليلة الروبوتات (سقوط الأرشيف) فجأة، الروبوتات الصغيرة التي كانت تخدم في "دار الأرشيف" توحشت. تحولت أعينها للأحمر، وبدأت تهاجم العلماء. الأبواب الأوتوماتيكية أغلقت على القادة الثلاثة. أصبحوا محبوسين في قبو "إنتنتوث"، بينما "التنين" في قاع المحيط بدأ يرسل إشارات لإيقاظ الآلات النائمة في كل مكان (بقايا المصانع القديمة، الخردة المدفونة). قال رعد وهو يسحب سيفه (الذي لا يفارقه): "هذا ما جنيته علينا يا زياد! لقد أيقظت الشيطان!" قال صفوان وهو يقرأ آيات التحصين: "ليس وقت اللوم! علينا الخروج وتحذير الناس!" الفصل التاسع: معركة الهروب دارت معركة ملحمية داخل القبو الضيق. رعد يحطم الروبوتات بسيفه وبقوة جسده الهائلة. زياد يستخدم معرفته بالشفرات لفتح الأبواب يدوياً وهو يحمي نفسه بمسدس ليزر قديم كان يخبئه. صفوان يوجههم ويحمي ظهورهم بحدسه الذي ينبئهم من أين سيأتي الخطر. نجحوا في الخروج من "دار الأرشيف" بصعوبة بالغة، والنيران تأكل المكان. لكنهم وجدوا أن "المدينة" بالخارج في حالة فوضى. كل شيء "إلكتروني" أو "ميكانيكي معقد" في قطاع إنتنتوث أصبح عدواً. السيارات، الرافعات، حتى الأبواب الذكية. الفصل العاشر: القرار المصيري (تدمير العلم) أدرك زياد خطيئته. نظر إلى مدينته التي تحترق بسببه. نظر إلى رعد وصفوان وقال والدموع في عينيه: "معكم حق.. البشر لم ينضجوا بعد لهذه القوة. يجب أن نقتل التنين.. ونقتل الأرشيف معه." سأله رعد: "كيف؟" قال زياد: "هناك طريقة واحدة لقطع الاتصال. يجب تدمير (الخادم الرئيسي) هنا في دار الأرشيف، ثم إطلاق (قنبلة الضغط) على التنين في البحر." لكن تدمير الخادم الرئيسي يعني شيئاً كارثياً لآل إنتنتوث: مسح كل العلم الذي جمعوه في 60 سنة. كل كتب الطب، الهندسة، الفلك، التاريخ.. كل شيء مخزن رقمياً هناك سيضيع، وسيعود العالم للجهل التام. نظر زياد إلى صفوان: "هل يستحق الأمر أن نعود أميين من أجل النجاة؟" قال صفوان بحكمة: "الجهل مع الحياة، خير من العلم مع الفناء. العلم في العقول يا بني، وليس في الخوادم. ما حفظتموه في صدوركم سيبقى." الخاتمة: الزر الأحمر والبداية الصفرية ضغط زياد على الزر. دوى انفجار هائل دمر "دار الأرشيف" وسواها بالأرض. وفي نفس اللحظة، في المحيط، انفجرت شحنات الأعماق التي زرعها زياد سابقاً كإجراء احترازي. سحقت المياه التنين "لوياثان". انطفأ ضوءه للأبد. توقفت الروبوتات المتوحشة وسقطت كدمى هامدة. نجا العالم.. ولكن الثمن كان فادحاً. خسرت البشرية "ذاكرتها الرقمية". فقد آل إنتنتوث ميزتهم الكبرى (المعلومات)، وأصبحوا متساوين مع غيرهم. وقف الثلاثة (صفوان، رعد، زياد) فوق تلة تطل على الدخان. قال رعد: "لقد عدنا لنقطة الصفر." قال زياد بحزن: "لقد أحرقتُ إرث جدي بيدي." وضع صفوان يده على كتف زياد وقال: "لا.. بل طهرته. الآن سنبني علماً جديداً.. علماً يخدم الإنسان ولا يستعبده. علماً يكتب بالقلم على الورق، لا بالكهرباء والزجاج. لقد بدأ عصر (التدوين) الحقيقي." (العالم الآن خالٍ من التكنولوجيا المتقدمة تماماً، وأصبح يعتمد على الكتابة اليدوية والصناعة الحرفية، والتحالف بين الثلاثة أصبح أقوى لأنه تعمد بالدم والتضحية). نهاية الجزء التاسع والعشرون.
Last updated