الجزء الثالث والعشرون: قفص الذهب ومحكمة المجرة (صراع البقاء)
مقدمة: الوقوف أمام "بوابة الجمارك الكونية" توقفت الأرض (السفينة) أمام الحواجز الضوئية العملاقة التي تفصل "الفضاء الوحش" عن "المنطقة الفيدرالية الرابعة". كان المشهد أمامهم يجعل العقل البشري يتوقف عن العمل من فرط الدهشة. أمامهم مئات الكواكب الصناعية، ليست كروية، بل مكعبات، وأهرامات، وحلقات تدور حول نجوم صناعية صغيرة. سفن تجارية بحجم قارة آسيا تمر بصمت، تحمل بضائع من مجرات أخرى. داخل غرفة القيادة الأرضية، كان التوتر يخنق الأنفاس. "كنعان" (سليل همون - العقل الدبلوماسي) و**"ياسر"** (سليل فتوها - العقل العسكري) يقفان أمام شاشة الاتصال التي تعرض الرسالة التحذيرية: ((عرفوا عن أنفسكم.. وإلا الإبادة)). قال ياسر وهو يمسك بمقبض كرسيه: "لو قلنا أننا محاربون، سيفجروننا فوراً. ولو قلنا تجار، سيسألون عن بضاعتنا ونحن لا نملك إلا التراب." قال كنعان بهدوء المؤمن: "سنقول الحقيقة التي لا تهدد أحداً. نحن (ناجون)." أرسل كنعان الرد: ((نحن "سفينة الأرض". ناجون من قطاع مجهول. لا نحمل أطماعاً، نحمل ذاكرة. نطلب حق العبور السلمي.)) مرت دقائق طويلة كأنها سنوات. ثم جاء الرد: ((تم التصنيف: لاجئون من المستوى الثالث. يُسمح لكم بالدخول إلى "رصيف الحجر الصحي رقم 9". تحذير: أي انبعاث طاقة عدائية سيؤدي إلى تفعيل بروتوكول التطهير.)) الفصل الأول: رصيف الذل (الصدمة الحضارية) سحبت "أشعة جاذبية" (Tractor Beams) كوكب الأرض بالكامل وكأنه كرة صغيرة، ووضعته في مدار حول كوكب صناعي رمادي كئيب يسمى "سوق الخردة". نزل وفد أرضي مكون من كنعان، ياسر، وعشرة من كبار العلماء واللغة، مرتدين بدلات فضاء بدائية صنعوها محلياً. عندما نزلوا إلى رصيف الميناء الفضائي، شعروا بضآلتهم. العمال في الميناء كانوا من أجناس شتى. عمالقة بجلود معدنية، وكائنات قصيرة بأدمغة ضخمة، وآليين يعملون بصمت. لم يهتم بهم أحد. الأرض بالنسبة لهؤلاء "المتقدمين" مجرد خردة قديمة وصلت للتو. استقبلهم موظف جمارك فضائي (كائن ذو بشرة زرقاء وعيون متعددة) وقال ببرود عبر جهاز ترجمة: "لديكم 24 ساعة كونية (تعادل شهراً أرضياً) لدفع رسوم الرسو. وإلا سيتم بيع كوكبكم كقطع غيار." سأل كنعان: "بماذا ندفع؟ ليس لدينا عملة المجرة." نظر الموظف إلى بدلاتهم باحتقار وقال: "بالماء.. بالمعادن.. أو بالجينات. دبروا أنفسكم." الفصل الثاني: شركة "الكروم" (الذئاب التجارية) انتشر خبر وصول "سفينة بدائية تحمل بشراً" في الميناء. وصل الخبر إلى مسامع "اللورد فيكس"، رئيس "تكتل الكروم التجاري" (Chromium Syndicate). هو تاجر مجرات لا يرحم، يتاجر في الكواكب والأسلحة والجينات. طلب "فيكس" مقابلة وفد الأرض. دخل كنعان وياسر إلى قصر فيكس العائم. كان المكان يضج بالترف التكنولوجي. قال فيكس بابتسامة صفراء: "سمعت أنكم في ورطة. أنا مستعد لدفع رسوم الرسو عنكم، وتزويد كوكبكم بمصفاة هواء حديثة (لأن غلافكم الجوي متهالك)، مقابل شيء بسيط جداً." سأل ياسر بحذر: "ما هو المقابل؟" قال فيكس: "أريد عينات من (النخاع الشوكي) لـ 1000 رجل منكم. جيناتكم (البدائية) نادرة، ونريد دراستها لصنع أدوية." رفض كنعان فوراً: "نحن لا نبيع لحم إخواننا." ضحك فيكس وقال: "العرض ساري لمدة أسبوع. عندما يختنق أطفالكم من نقص الهواء، ستعودون إلي زاحفين." الفصل الثالث: المجلس الاستشاري (الفتنة الداخلية) عاد الوفد إلى الأرض. كانت الأوضاع تتدهور. أجهزة تنقية الهواء القديمة بدأت تتعطل، ونسبة التلوث ترتفع. اجتمع "مجلس الشورى". انقسم الناس: فريق قال: "فلنقبل عرض فيكس! نضحي بـ 1000 رجل ليعيش 50 مليوناً!" فريق (بقيادة كنعان وياسر) قال: "والله لو بعنا ظفراً واحداً من رجل مسلم مقابل الدنيا وما فيها، لكان هذا خذلاناً للدين والمروءة. الله هو الرزاق." وقف ياسر وقال: "يا قوم، فيكس لا يريد جيناتنا للأدوية. جدي (قيصر) كان تاجراً وأعرف هذه النظرة. فيكس رأى فينا (قوة) لا يملكها هو. هو يريد استنساخنا كجنود." الفصل الرابع: الاكتشاف المذهل (قيمة الخردة) بينما كان الكبار يتجادلون، كان هناك عالم شاب من فريق كنعان يتجول في "سوق الخردة" الفضائي (بإذن خاص). لاحظ العالم شيئاً غريباً. التجار الفضائيون يرمون "القطع البلاستيكية" و"الخشبية" في القمامة لأنهم لا يستخدمون إلا المعادن والطاقة. لكن في المقابل، كانوا يبحثون بجنون عن مادة نادرة جداً تسمى "السيليكا العضوية" لتشغيل معالجاتهم الدقيقة. عاد العالم يركض إلى كنعان: "سيدي! الرمل! رمال صحراء الأرض!" سأله كنعان: "ما بها؟" قال العالم: "رمالنا تحتوي على السيليكا التي يبحثون عنها! بالنسبة لنا هي تراب، وبالنسبة لهم هي ذهب نقي، لكنهم لا يعلمون أنها موجودة بكثرة عندنا لأنهم يعتقدون أن الأرض كوكب صخري ميت!" الفصل الخامس: المناورة الاقتصادية (ذكاء التاجر الصدوق) وضع كنعان وياسر خطة ذكية. ذهبوا إلى "السوق العام" وليس إلى "فيكس". عرضوا عينة من "رمال الصحراء الكبرى". انبهـر التجار الصغار. "سيليكا نقية بنسبة 99%! من أين لكم هذا؟" قال كنعان: "لدينا جبال منها." بدأ المزاد. تهافتت الشركات لشراء "تراب الأرض". جمع كنعان في يومين ما يكفي من "وحدات الطاقة" لدفع رسوم الرسو، وشراء "مصفاة هواء" عملاقة من منافس لشركة فيكس. جن جنون "اللورد فيكس". لقد خسر الصفقة، والأهم من ذلك، خسر فرصة استعباد البشر. الفصل السادس: الحصار العسكري (عودة الحرب) قرر فيكس استخدام القوة. ادعى أن الأرض "خالفت شروط التجارة" وأن الرمال ملوثة إشعاعياً (كذباً). أرسل فيكس أسطوله الخاص (مرتزقة فضائيين) لحصار الأرض ومصادرة حمولتها. حاصرت السفن الفضائية المتطورة كوكب الأرض. وجهوا مدافع الليزر نحو المدن. رسالة من فيكس: "سلموا الحكم لشركتي، أو سنحرق غلافكم الجوي." لم يكن لدى الأرض سفن فضائية حربية. كل ما يملكونه هو "المسدسات البدائية" (الرصاص والبارود) التي احتفظوا بها في المتاحف، وبعض المدافع التي طورها "شهاب" في الجزء 19. قال ياسر لكنعان: "هم يملكون تكنولوجيا تتفوق علينا بمليون سنة. دروعهم تصد الليزر والبلازما. كيف سنحاربهم؟" تذكر كنعان درس "جبل الحديد" في الجزء 18. قال كنعان: "دروعهم مصممة لصد (الطاقة) والسرعات العالية جداً. لكن.. هل جربوا صد (حجر)؟" الفصل السابع: معركة "المقلاع" (الفيزياء البدائية) الخطة كانت جنونية. التكنولوجيا الفضائية تعتمد على "الدروع الكهرومغناطيسية". هذه الدروع تشتت أي شعاع ليزر، وتوقف أي مقذوف يسير بسرعة الضوء. لكنها (حسب تحليل العلماء) لا تتفاعل جيداً مع الأجسام "الصلبة والبطيئة نسبياً". أمر ياسر بتجهيز "المدافع البارودية القديمة". وعندما اقتربت سفن مرتزقة فيكس للهجوم، لم تطلق الأرض ليزراً. أطلقت الأرض وابلاً من "قذائف الصلب واليورانيوم المنضب" (رصاص ومدافع). المفاجأة كانت صاعقة. مرت القذائف البدائية عبر دروع الطاقة المتطورة للسفن الفضائية وكأن الدروع غير موجودة! (لأن أجهزة الاستشعار لم تعتبر هذه القطع المعدنية تهديداً يستحق الصد). اخترقت القذائف هياكل السفن الهشة. تحطمت سفن المرتزقة واحدة تلو الأخرى. لم يصدق الغزاة ما يحدث. "إنهم يرموننا بالحجارة! ودروعنا لا تعمل!" حاول المرتزقة الهبوط على سطح الأرض. وهنا كانت الكارثة بالنسبة لهم. على الأرض، نزل جنود الفضاء بدروعهم اللامعة. لكنهم فوجئوا برجال الأرض (أحفاد رعد وسيف) يخرجون عليهم من الخنادق في "التحام جسدي" بالسيوف والخناجر. التكنولوجيا لا تفيد في القتال اليدوي المباشر إذا كان خصمك لا يخاف الموت ويملك قوة بدنية هائلة (بسبب الجاذبية الأرضية القوية التي ربت عضلاتهم، بينما الفضائيون يعيشون في جاذبية منخفضة فاجسامهم ضعيفة). سحق رجال ياسر المرتزقة في ساعات. الفصل الثامن: المحكمة الفيدرالية (النصر السياسي) تدخلت "الشرطة الفيدرالية للمجرة" (قوة حفظ النظام) لوقف المعركة. تم استدعاء كنعان وفيكس للمحاكمة أمام "المجلس الأعلى". اتهم فيكس الأرض بالهمجية واستخدام "أسلحة محرمة بدائية" (الرصاص). وقف كنعان أمام قضاة المجرة (كائنات نورانية حكيمة). قال كنعان بلسان عربي مبين (تمت ترجمته): "أيها القضاة.. هذا اللورد أراد استعبادنا وسرقة جيناتنا. نحن لم نعتدِ، بل دافعنا عن أرضنا بأبسط ما نملك. حضارتكم وصلت للنجوم، لكنكم نسيتم شرف التعامل. نحن بدائيون في نظركم، لكننا أحرار." عرض كنعان تسجيلات لمساومة فيكس الدنيئة (سجلها ياسر سراً). حكمت المحكمة: تجريم "اللورد فيكس" وتجريده من رخصته التجارية. الاعتراف بكوكب الأرض كـ "كيان مستقل ذو سيادة" (Observer State). يُمنع الاقتراب من الأرض بأسلحة متطورة. الفصل التاسع: الفرحة والهدنة الحقيقية عاد الوفد إلى الأرض منتصراً. لم يكن نصراً عسكرياً فقط، بل كان اعترافاً بوجودهم في الكون. باعوا الرمال، اشتروا التكنولوجيا الطبية والزراعية النظيفة، وأصلحوا الغلاف الجوي. عمت الاحتفالات كوكب الأرض. ولأول مرة، شعر الناس بالأمان الحقيقي. هم ليسوا وحدهم، وهم أقوياء بما يكفي لحماية أنفسهم. قرر المجلس تمديد "فترة البناء والسلام" لمدة 100 سنة أخرى، ليتعلموا علوم المجرة، ويطوروا أنفسهم، ليس للحرب، بل ليكونوا "منارة أخلاقية" في هذا الكون المادي. عاش كنعان وياسر ما تبقى من حياتهم في هدوء، يراقبون السفن التجارية تمر بسلام، والأرض تدور في مدارها الجديد الآمن، تحرسها عناية الله، ثم سواعد الرجال الذين رفضوا بيع كرامتهم. النهاية السعيدة (والمؤقتة): استقرت الأرض، وأصبح سكانها (الذين زادوا قليلاً) يعيشون في رفاهية معتدلة، متمسكين بدينهم وهويتهم، وسط كون مليء بالعجائب، بانتظار ما يخبئه القدر في الأجزاء القادمة. نهاية الجزء الثالث والعشرون.
Last updated