الجزء الثالث عشر: عصر الورثة وسقوط الأفق
مرت العقود، وطوت الرمال آثار أقدام "انتافون"، لكن دماء العداء القديم لم تجف في عروق السلالات. انقسم العالم، الذي كان موحداً بشق الأنفس، مرة أخرى، ولكن هذا الانقسام لم يكن سياسياً فحسب، بل كان انقساماً وجودياً بين حفيدين يحملان إرث أجدادهما كالجمر في أيديهم. ظهر في الشرق "أركان همون"، حفيد الملك الطيب، الذي ورث عن جده الحكمة والرغبة في حماية الحياة. وفي الغرب، ظهر "زيروس فتوها"، حفيد الملك الشرير، الذي ورث الجنون بالسلطة والرغبة في تطويع البشر والآلة لخدمته. كلاهما أقسم على استعادة "مجد الأباء"، وتحولت الأرض إلى رقعة شطرنج دامية. خريطة العالم الجديد وتقسيم القوى: لم تعد الدول كما نعرفها، بل تكتلت في إمبراطوريتين عظيمتين ومنطقة محرمة: مملكة "نور الأفق" (بقيادة أركان همون): النطاق: سيطرت على قارات العالم القديم والمرتفعات الجبلية المحصنة. التكنولوجيا: دمجوا الطبيعة بالتكنولوجيا. سلاحهم الأقوى هو "الفرسان البيض"، جنود يرتدون دروعاً خفيفة من مادة "الغرافين المشع" تمنحهم سرعة الضوء تقريباً، وأسلحتهم تعتمد على "الليزر النقي" الذي يعطل الأعصاب دون قتل الجسد. الدرع: بنى أركان ما يسمى "القبة الزجاجية المقدسة"، وهو حقل طاقة عملاق يغطي مدنه، قادر على صد أي هجوم نووي أو كيميائي. إمبراطورية "الحديد الأسود" (بقيادة زيروس فتوها): النطاق: القارات الصناعية والأراضي المنخفضة وشبكات ضخمة تحت الأرض. التكنولوجيا: فلسفة "السايبورغ". قام زيروس بدمج البشر بالآلات. جيشه المسمى "الفيلق المظلم" لا يشعر بالألم، لا ينام، ولا يتردد. زرع في عقولهم شرائح تجعلهم يرون الموت مكافأة. الأسلحة: طوروا "الزحف الجليدي"، قنابل تحول المدن إلى جليد في ثوانٍ، و"الظلال المتحركة"، دبابات غير مرئية للعين والرادار تسير بصمت تام. "الأراضي الحرام" (منطقة الموت): المناطق الفاصلة بين المملكتين، يسكنها "تجار الموت" والمرتزقة الذين يبيعون أسرار الطرفين لمن يدفع أكثر. سلسلة الحروب الكبرى (حروب الانهيار): لم يبدأ الأمر بمناوشات، بل بإنفجارات هزت الكوكب. الحرب الأولى: "الأيام العشرة السوداء" بدأ زيروس فتوها الحرب بإطلاق صواريخ "الزحف الجليدي" على السواحل الشمالية لمملكة نور الأفق. تجمدت المحيطات والسفن الحربية التابعة لأركان في لحظات. رد أركان همون بتفعيل سلاح "رعد السماء"، أبراج عملاقة أطلقت موجات كهرومغناطيسية عطلت كل الإلكترونيات في نصف الكرة الأرضية الغربي. عاشت إمبراطورية زيروس في ظلام دامس وفوضى لمدة عشرة أيام، قتل فيها الملايين من البرد والجوع، لكن زيروس لم يهتم، بل استغل الوقت لتطوير جنود لا يحتاجون للضوء للرؤية. معركة "وادي السيليكون المحترق" عندما عادت الطاقة، شن زيروس هجوماً برياً كاسحاً. التقى الجيشان في وادٍ ضخم. كانت معركة بين "الفرسان البيض" السريعين و"الفيلق المظلم" المدرع. استخدم أركان تقنية "الطيور الجارحة" (درونز بحجم الذباب تفجر دبابات العدو من الداخل). بدت الكفة تميل لأركان، لكن زيروس أطلق "العمالقة الفولاذية"، روبوتات بطول 50 متراً سحقت كل شيء في طريقها. انتهت المعركة بانسحاب أركان وخسارة منطقة حيوية ومقتل 12 مليون جندي من الطرفين. حصار "قلعة الأمل الأخير" تراجع أركان همون إلى عاصمته المحصنة بالقبة الزجاجية. حاصره زيروس لمدة 5 سنوات كاملة. حاول زيروس اختراق القبة بكل أنواع الأسلحة وفشل. في الداخل، كان شعب همون يعيش في تقشف لكن بإيمان قوي، يزرعون طعامهم في حدائق معلقة ويشربون من مياه مكررة، مؤمنين أن الخير سينتصر. نقطة التحول: السلاح المحرم وانتصار الشر أدرك زيروس أن القوة العسكرية لن تكسر "أركان همون"، فلجأ إلى أرشيف سري للغاية وجده في أنقاض قلعة جده القديم "فتوها الأول". وجد مخططات لسلاح بيولوجي-نفسي يسمى "غبار الخضوع". هذا السلاح ليس فيروساً يقتل، بل "نانو-روبوتات" دقيقة جداً تنتشر في الجو، وتخترق الدماغ البشري لتسيطر على مركز "الإرادة". المصاب لا يموت، بل يتحول إلى عبد مطيع يرى في "زيروس" إلهاً ومنقذاً. في ليلة عاصفة، أطلق زيروس صواريخ خاصة انفجرت فوق "القبة الزجاجية". لم تكن انفجارات نارية، بل نشرت سحابة بنفسجية غطت القبة. استطاعت جزيئات "النانو" اختراق حقل الطاقة ببطء. النهاية المأساوية: مع شروق الشمس، استيقظ أركان همون ليتفقد جيشه، فوجد الصمت يعم القصر. نادى على حرسه الشخصي، فدخلوا عليه، لكنهم لم يحيوه التحية العسكرية المعتادة. كانت عيونهم بنفسجية باهتة، وسلاحهم موجه نحوه. لقد سقطت المملكة دون إطلاق رصاصة واحدة في تلك الليلة. استنشق الشعب والجيش "غبار الخضوع"، وتحولوا جميعاً إلى أتباع لزيروس. وقف أركان همون وحيداً، الرجل الوحيد الذي يمتلك مناعة وراثية ضد هذا الغبار، يصرخ في جنوده ليستفيقوا، لكن دون جدوى. فتح الجنود بوابات القلعة، ودخل زيروس فتوها متبختراً على عربة ذهبية تجرها وحوش آلية. أمام شاشات العالم، وفي مشهد يكسر القلوب، أجبر جنود أركان ملكهم السابق على الركوع أمام زيروس. وبابتسامة شريرة باردة، استل زيروس سيف جده القديم، وأنهى حياة أركان همون، ومعه انتهت حقبة المقاومة. أعلن زيروس فتوها قيام "الإمبراطورية الأبدية". تم استعباد البشر المتبقين، وتحويل الأرض إلى مصنع كبير للدخان والآلات، وغابت الشمس خلف سحب التلوث، وانتصر الشر انتصاراً ساحقاً وماحقاً. الغلقة الدرامية (السر المظلم): بينما كان زيروس يجلس على عرش العالم، منتشياً بقوته المطلقة التي لا ينازعه فيها أحد، دخل عليه كبير علمائه وهو يرتجف رعباً، حاملاً جهاز لوحي يعرض إشارات غريبة. قال العالم بصوت مرتعش: "سيدي الملك... بعد تفعيلك لكامل طاقة المصانع حول العالم، رصدنا اهتزازات ليست زلازل... إنها تأتي من أعمق نقطة في المحيط، من خندق ماريانا". نظر زيروس بملل وقال: "وماذا في ذلك؟ وحش بحري آخر؟ سنقتله". قاطعه العالم بخوف: "لا يا سيدي... لقد التقطنا رسالة صوتية مشفرة من القاع... بصمة الصوت تطابق سجلات تاريخية قديمة جداً... لشخصية قيل أنها ماتت قبل قرون من ميلاد جدك فتوها الأول". شغل العالم التسجيل. كان الصوت عميقاً، هادئاً، ومخيفاً بشكل لا يوصف، يقول جملة واحدة فقط: "لقد استنفذتم طاقة الأرض في حروبكم الطفولية... وأيقظتم الحراس... نحن قادمون لنأخذ ما تبقى." تجمدت الابتسامة على وجه زيروس لأول مرة، وأدرك أن انتصاره قد يكون هو مفتاح الجحيم الذي سيفتح في الجزء الرابع عشر. نهاية الجزء الثالث عشر.
Last updated