githubEdit

الجزء الثالث والثلاثون: رماد الأولين وانكسار العهد

مقدمة: الدقائق الأخيرة

في قاعة التحكم تحت الأرض، كان الصمت أثقل من الصخور التي تعلو رؤوسهم. العداد التنازلي على الشاشات السوداء يشير إلى 59 دقيقة قبل أن يبدأ "التنفيس التلقائي" الذي سيمسح مدن الشمال والشرق. الملوك الثلاثة (جلمود، ياسين، إياس) والفتى آدم يقفون أمام خيارين كلاهما مر: إما إبادة ثلث البشرية.. أو تدمير "الرمز المقدس" الذي يحفظ السلم العالمي.

الفصل الأول: صراع "حرمة الحي والميت"

انفجر الملك "ياسين" (همون) باكياً، وهو الرجل الوقور الذي لم يرَه أحد يبكي من قبل. صاح بصوت مبحوح: "كيف نجرؤ؟ كيف ننسف قبور أجدادنا (صفوان ورعد وزياد)؟ هؤلاء هم الأولياء الذين بفضلهم نحن نعيش! تدمير قبورهم هو كفر بالنعمة! ستلعننا الأجيال!"

رد عليه "جلمود" (فتوها) بحدة، وعروق رقبته نافرة: "وتدمير مدننا ليس كفراً؟ هل تريد أن أعود لشعبي وأقول لهم: (تركتكم تموتون حرقاً لأحمي عظاماً نخرة)؟"

تدخل "إياس" (إنتنتوث) بعقله البارد كعادته، لكن صوته كان يرتجف: "المسألة حسابية يا ياسين. مليون روح حية مقابل ثلاثة قبور. المعادلة واضحة، لكن القلب يرفضها. إذا دمرنا المنطقة المحايدة، ستزول الحدود الفاصلة بيننا. سيتواجه جيش فتوها وجيش همون وجهاً لوجه بلا حاجز. هل ندرك خطورة ذلك؟"

كان النقاش يدور في حلقة مفرغة، والوقت يمر. 40 دقيقة متبقية.

الفصل الثاني: حكمة الفتى (درس الفقه الأعظم)

وسط صراخ الملوك، تقدم "آدم" إلى الطاولة. بدا في تلك اللحظة أكبر من عمره بمائة عام. نظر إلى ياسين وقال بصوت هادئ: "يا جلالة الملك.. أجدادكم الذين في القبور، لو نطقوا الآن، ماذا كانوا سيقولون؟"

صمت ياسين، فأكمل آدم: "لقد ضحى (أمجد همون) بنفسه في النواة لينقذ البشر (الجزء 25). وضحى (رعد) بكبريائه ليوقف الحرب. تاريخكم كله تضحية. هل تظن أنهم سيرضون بأن تقدسوا قبورهم وتضحوا بأحفادهم؟"

ثم أشار إلى الشاشة: "هدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من سفك دم امرئ مسلم. وأنتم تخافون على قبر وتتركون مليون دم؟"

نزلت كلمات آدم كالصاعقة على قلب ياسين. مسح دموعه، واعتدل في وقفته. قال ياسين بصوت منكسر ولكن حازم: "صدق الفتى.. وصدق رب الفتى. الحي أبقى من الميت. توكلنا على الله."

الفصل الثالث: تفعيل البروتوكول (الزر الأسود)

اقترب الثلاثة من لوحة التحكم. طلب الذكاء الاصطناعي "الموافقة الثلاثية" مرة أخرى لتفعيل "صمام التنفيس اليدوي". وضعوا أيديهم المرتعشة على المستشعرات.

((جاري التفعيل.. تحذير: إخلاء المنطقة المحايدة غير ممكن لضيق الوقت.. هل تؤكدون الأمر؟))

تذكروا أن "المنطقة المحايدة" فيها بعض الحراس، وبعض الرعاة، والبرج الذي عاش فيه آدم. أغمضوا أعينهم ألماً. قال جلمود: "نؤكد."

((الأمر مُستلم. فتح الصمام خلال 10.. 9.. 8...))

في تلك اللحظة، شعروا باهتزاز عنيف في الغرفة، وكأن الأرض تصرخ من الألم.

الفصل الرابع: الطوفان الناري (على السطح)

على سطح الأرض، كان المشهد مروعاً. في "المنطقة المحايدة"، كان الرعاة ينظرون للسماء المظلمة بخوف. فجأة، انشقت الأرض تحت "مقبرة الأجداد". لم يكن انفجاراً عادياً. انطلق عمود هائل من البخار المضغوط واللافا (الحمم البركانية) بارتفاع وصل إلى عنان السماء. الضغط المحبوس منذ قرون وجد مخرجاً.

الإنفجار ابتلع المقبرة في ثانية واحدة. ابتلع "شجرة العهد". ابتلع "برج آدم". تحولت المنطقة المحايدة (التي كانت واحة خضراء جميلة تفصل بين الممالك) إلى فوهة بركانية سوداء ينبعث منها الدخان والنار. تلاشت الحدود الجغرافية. الجبل الذي كان يفصل مملكة الشمال عن الشرق انهار.

وفي نفس اللحظة، في مدن الشمال والشرق، توقفت "العناكب الحاصدة" عن العمل فجأة. انطفأت أنوارها الحمراء، وتراجعت وتجمدت في مكانها، لأن الضغط الجيولوجي زال، وانتهت مهمتها. نجت المدن.. لكن الثمن كان الرمز.

الفصل الخامس: صعود المنكسرين

في الأسفل، هدأت العدادات. عاد المؤشر إلى المنطقة الخضراء الآمنة. قال آدم: "لقد انتهى الأمر. الأرض استراحت." لكن الملوك لم يفرحوا. كانوا يشعرون بثقل الخيانة في صدورهم.

بدأوا رحلة الصعود عبر المصاعد الهيدروليكية القديمة (التي فعلها النظام بعد زوال الخطر). كان الصعود صامتاً. لا أحد يجرؤ على النظر في عين الآخر.

عندما وصلوا إلى السطح، وخرجوا من الحفرة، صُدموا بمنظر العالم الجديد. السماء كانت مغطاة بسحابة رمادية من غبار الانفجار. رائحة الكبريت تملأ المكان. ومكان القبور المقدسة.. توجد الآن حفرة عملاقة يخرج منها دخان أبيض هادئ.

الفصل السادس: الفتنة الكبرى (من فعل هذا؟)

بمجرد وصول الملوك إلى مخيمات جيوشهم (التي كانت تنتظر على أطراف المنطقة المحايدة)، بدأت الكارثة السياسية.

الجنود والعامة لم يعرفوا ما حدث في الأسفل. كل ما رأوه هو انفجار المقبرة المقدسة.

صرخ جنود همون: "إنها مؤامرة من الشمال! فتوها فجروا قبر جدنا صفوان!"

صرخ جنود فتوها: "بل هو سحر إنتنتوث! يريدون محو تاريخ قوتنا!"

كاد الجيشان يشتبكان فوراً. وقف الملك "ياسين" (وهو مغطى بغبار القبو) وصرخ في جيشه: "توقفوا! نحن من فعلنا ذلك! نحن الثلاثة!" لكن صوته ضاع وسط صراخ الغضب. الناس لا يصدقون أن ملوكهم يدمرون مقدساتهم. ظنوا أن الملك "مسحور" أو "مكره".

نظر "جلمود" إلى "ياسين" وقال بأسى: "لقد فتحنا الصمام لنغلق باب الجحيم تحت الأرض.. لكننا فتحنا باب الجحيم على الأرض. شعبي لن يغفر هذا، وشعبك لن يصدق."

الفصل السابع: اختفاء آدم

وسط هذه الفوضى، والجيوش تتراشق بالاتهامات، التفت "إياس" ليبحث عن "آدم". أراد أن يجعله شاهداً، أو مستشاراً. لكن آدم.. اختفى. بحثوا عنه في كل مكان. لا أثر له. وجدوا فقط رسالة مكتوبة بإصبعه على غبار إحدى العربات: ((المهمة الأولى تمت. التوازن القديم سقط. الآن تبدأ مرحلة (الاختيار الحر). سأراكم عندما تنضج الثمار.. أو تتعفن.))

الفصل الثامن: الجدار الوهمي

عاد كل ملك إلى مملكته، والقلوب تغلي. المنطقة المحايدة لم تعد موجودة. أصبحت أراضي "همون" و"فتوها" و"إنتنتوث" متصلة ببعضها جغرافياً، تفصلها فقط الحفرة البركانية الجديدة. بدأ الجنود من كل طرف يقفون على الحافة، ينظرون لجنود الطرف الآخر.. ليس كإخوة، بل كقتلة دنسوا المقدسات.

في قصره، جلس الملك "إياس إنتنتوث" يكتب في مذكراته بحزن: "اليوم، أنقذنا أجساد البشر، لكننا قتلنا أرواحهم. لقد مات الماضي. ومن الغد.. ستبدأ حرب ليست على الأرض، بل على (الرواية). من سيقنع الناس بروايته لما حدث؟"

أمر إياس حداديه بالبدء فوراً في صناعة الدروع. لم تعد هناك ثقة. الهدنة انتهت فعلياً، حتى لو لم تعلن الحرب رسمياً.

نهاية الجزء الثالث والثلاثون.

Last updated